غزة .. والهدف كان مصر!!

لا شك أن هناك انجازاً نوعياً لفصائل المقاومة الفلسطينية قد تحقق على أرض الواقع بأن فرضت شروطها هذه المرة على تفاهمات التهدئة التي قادتها مصر بمساعدة تركية وقطرية.

"أنباء موسكو"

القاهرة ـ أشرف كمال

ومن قبل هذا وذلك كانت بصمات الإدارة الأمريكية واضحة عند الإعلان عما تم التوصل إليه عقب مباحثات هيلاري كلينتون في تل أبيب ورام الله والقاهرة، بخلاف تلك المحادثات الهاتفية للرئيس الأمريكي بارك أوباما مع كل من رئيس الحكومة ألإسرائيلية بينيامين نتنياهو والرئيس المصري محمد مرسي الذي يمتلك بحكم الارتباط الأيديولوجي بعلاقات وثيقة وقوية مع حركة المقاومة الإسلامية "حماس" المسيطرة على قطاع غزة.
عملية "عمود السحاب" هي الأولى من نوعها عقب اندلاع انتفاضات الشعوب العربية ثائرةً على أنظمتها، وسار الحراك الشعبي العربي في اتجاه تقوية الفصائل الفسطينية، خاصة في قطاع غزة، واستطاعت أن تستفيد من الحراك وتعزز من قدراتها العسكرية، فأظهرت تغيرا جوهريا في الهجمات المضادة لصواريخها التي حلقت في السماء لتصل المنشآت الإسرائيلية الحيوية، والتجمعات السكانية.
اختلفت الآراء حول مصدر هذه الأسلحة فهناك من يؤكد أنها صناعة محلية، وقامت الفصائل بتطوير ما تملكه من تقنية بسيطة، مستغلة حالة الهدوء النسبي مع قوات الاحتلال خلال الشهور السابقة.
وهناك من يتحدث عن إمدادات إيرانية بالمال والأسلحة لنقل المعركة مع إسرائيل إلى قطاع غزة، خاصة في ظل ما أثير من تصريحات رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني والذي دعا فيها إلى تسليح الفلسطينيين للدفاع عن أنفسهم ومحاربة إسرائيل، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، ونقلت عنه قوله :"التحركات السياسية لبعض دول المنطقة مفيدة لكنها ليست كافية ... اليوم نتوقع منهم أن يرسلوا مساعدة عسكرية للفلسطينيين ... والولايات المتحدة والغرب يرسلان أسلحة إلى النظام الصهيوني، فلماذا والحالة تلك لا نرسل أسلحة إلى فلسطين؟". واستند هؤلاء إلى ظهور صواريخ أطلقته الفصائل الفلسطينية على تل أبيب من طراز "فجر" إيرأنية الصنع.
وفريق ثالث يتحدث عن وصول كمية كبيرة من الأسلحة المتطورة التي كان يمتلكها نظام الراحل معمر القذافي في ليبيا، خاصة في ظل حالة فوضى انتشار السلاح في ليبيا وعدم السيطرة على الوضع الداخلي عقب انهيار نظام القذافي، فضلاً عن انتشار تهريب السلاح من ليبيا عبر الحدود المصرية إلى شبه جزيرة سيناء والانتقال إلى قطاع غزة عبر الأنفاق التي تستخدم لكسر الحصار، واستند هؤلاء إلى ظهور صواريخ من طراز "جراد" التي أطلقلتها الفصائل على إسرائيل.
هذا التحول النوعي في أداء فصائل المقاومة تزامن مع سيطرة تيارات الإسلام السياسي على مقاليد الحكم في الدول االعربية التي شهدت تغييراً خاصة في مصر حيث نقلت السلطة والنفوذ واتخاذ القرار إلى جماعة "الإخوان المسلمين" الداعمة لحركات المقاومة الفلسطيننية خاصة "حماس" ولها ما لها من مواقف مناهضة لإسرائيل وتطالب بتحرير القدس وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل أراضيها وعاصمتها "القدس"، ومازالت تسعى إلى استقطاب الشارع المصري والعربي بشعار "عالقدس رايحين شهداء بالملايين" .
والحكومة الإسرائيلية التي لم تجد من إدارة الرئيس محمد مرسي أي تجاوب مباشر معها سوى تصريحات غير مباشرة وعن استحياء بالحفاظ على معاهدة كامب ديفيد وعبر واشنطن، لاسيما ما يتعلق بعدد من الملفات الإقليمية والوضع في شبه جزيرة سيناء وسعياً من تل أبيب من استمرار تحييد مصر بعيداً عن صراعها مع فلسطين سواء في الضفة أو القطاع أو توجه السلطة إلى ألأمم المتحدة للحصول على صفة دولة مراقب في المنظمة الدولية وإعلان دولة فلسطينية مستقلة على حدود ما قبل عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
والإدارة الأمريكية التي أعلنت عن دعم الرئيس المصري محمد مرسي في الانتقال بالمحروسة إلى وضع أكثر ديمقراطية وحرية الرأي والحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة وحماية حقوق الإنسان من أي انتهاكات وحقوق المرأة وألأقليات، مقابل مساعدة مصر للخروج من الوضع الاقتصادي المتردي، كان هدفه الانتقال بسياسة مصر ما بعد مبارك إلى الحفاظ على العلاقات مع تل أبيب، والانتقال بسياسة رئيس ينتمي إلى جماعة مناهضة إلى مستوى الاعتراف ولو بشكل غير مباشر بإسرائيل في تحول يمكن وصفه بالجديد على رئيس ينتمي إلى جماعة مناهضة لإسرائيل.
فيما عبر رئيس الحكومة الإسرائيلية عن استيائه من عدم ذكر الرئيس المصري لأسم إسرائيل منذ توليه مقاليد الحكم والسلطة والنفوذ في مصر التي ترتبط مع تل أبيب بعلاقات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية، كان لابد لها أن تبحث عن سبيل يدفع الرئيس المصري الى طريق يحقق أهداف الحكومة الإسرائيلية في مواصلة التشاور مع القاهرة الجديدة، حول عملية السلام ومشاكل قطاع غزة وسبل تعزيز الرقابة المصرية على المعابر المنتشرة على الحدود مع القطاع واستمرار تبادل المعلومات حول الجماعات الجهادية التي تهدد الاستقرار في شبه جزيرة سيناء وترى فيها إسرائيل خطراً يزيد من التوتر على الحدود مع مصر.
وكان الهجوم والقصف المتواصل على قطاع غزة، قابله الرئيس المصري بتصريحات قوية وقرارات ربما ساهمت في الترويج إلى أن مصر ما بعد مبارك مختلفة تماماً، مشعلة حماس الشارع، فبات نجم مرسي ساطعا لامعاً في الصحف العربية والغربية بهذه القرارات والتصريحات.
ولكن ما لبثت أن خفت حدتها بالعمل كوسيط بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل ـ والسير على نفس الطريق الذي سار عليه سلفه ـ وصولاً إلى تفاهمات تهدئة ووقف إطلاق النار من الجانبين فوجد مرسي نفسه وبالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية أمام ضرورة التعامل مع الحكومة الإسرائيلية والإشراف على مباحثات التهدئة وفي النهاية أن يكون ضامناً لكل طرف لدى الآخر وأمام المجتمع الدولي.
وهذا ما أكدت عليه تفاهمات التهدئة التي تم التوصل ليه فمصر هي محور العمل والوساطة بين الطرفين ومراقبة مدى التزام الجانبين لوقف إطلاق النار وتجنب الاعتداء المسلح، مع استمرار المباحثات والمشاورات فيما يتعلق بفتح المعابر وفك الحصار عن قطاع غزة وتسهيل مرور الأفراد من وإلى القطاع، وطبيعي أن تقوم مصر في زمن الإخوان بكل هذه الإجراءات، فالسبيل كان غزة والهدف كان مصر.

 


لا تنسى دعمنا بلايك إن أفادك الموضوع و شكرا

ليست هناك تعليقات: